محمد أبو زهرة

1441

زهرة التفاسير

ولقد كانت ضراعتهم إلى ربهم بالدعاء تتجه إلى ثلاثة أمور : أولها : طلب غفران الذنب والإسراف ، والذنب هو التقصير في حق اللّه تعالى ، والإسراف في الأمور هو تجاوز الحد في الأمور ، وأمرهم هو كل ما يتعلق بإجابة اللّه تعالى ، فهم يستغفرون من التقصير في حق اللّه تعالى ، وتجاوز حدود اللّه تعالى ، وإن ذلك الدعاء مناسب للقتال لأن المقاتل إما أن يقصر فيتخاذل ، وإما أن يتجاوز الحد فيقتل في غير حاجة إلى القتال ، فكان هذا الدعاء في موضعه ، وإن الإسراف في القتل من غير حاجة إلى القتل مؤاخذ عليه كالتقصير ، فمن يقتل امرأة أو عاملا غير مقاتل أو شيخا هرما لا رأى له في القتال ، أو يقتل أسيرا ، أو يقتل بعد الأمان ، يكون مسرفا في أمره ، فيكون مؤاخذا ، ولذلك طلبوا الاستغفار من الأمرين : التفريط والإفراط . وإن طلبهم هذا يدل على سلامة قلوبهم ، واستصغار عملهم ، وذلك شأن الأتقياء ، ولذا جاء في الكشاف في هذا المقام : ( هذا القول ، وهو إضافة الذنوب والإسراف إلى أنفسهم مع كونهم ربانيين كان هضما لها واستقصارا ) ولقد كان دعاء النبي صلى اللّه عليه وسلم : « اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافى في أمرى ، وما أنت أعلم به منى » « 1 » . الثاني : طلب تثبيت الأقدام بألا يهزموا ولا يفروا ، بل يلاقوا الأعداء بصدورهم ولا يولوهم الأدبار ، وفي تقديم الدعاء بالغفران إشارة إلى أنهم يقدمون طهارة نفوسهم وتزكية القلوب واعتبارها أساس الثبات والصبر في مواطن القتال ، وجاء في الكشاف : « والدعاء بالاستغفار مقدما على طلب تثبيت الأقدام في مواطن الحرب والنصرة على العدو ليكون طلبهم إلى ربهم عن زكاة وطهارة وخضوع وهو أقرب إلى الاستجابة » .

--> ( 1 ) رواه البخاري : الدعوات - قول النبي صلى اللّه عليه وسلم اللهم . . ( 5920 ) واللفظ له ، ومسلم : الدعوات - التعوذ من شر ما عمل ( 2719 ) .